سياسة

الهند: هل يكون القادم أقلّ سوءًا؟

ما الذي تنتظره الهند في الفترة القادمة، وهل يمكن لها أن تكون أفضل من تلك التي عاشتها البلاد على مدى عشر سنوات؟
الهند: هل يكون القادم أقلّ سوءًا؟
نصب بوابة الهند. أ ف ب
24 حزيران 2024
سياسة

الهند: هل يكون القادم أقلّ سوءًا؟

ما الذي تنتظره الهند في الفترة القادمة، وهل يمكن لها أن تكون أفضل من تلك التي عاشتها البلاد على مدى عشر سنوات؟
نصب بوابة الهند. أ ف ب
ألبا شاه ترجمة صفاء الزرقان
24 حزيران 2024

(نشر هذا المقال في مجلة ذا نيو ستايتمنت بالإنجليزية في 17 حزيران 2024) 

خلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع التي انعقدت في إيطاليا قبل أيّام، أخبر ناريندرا مودي قادة العالم المجتمعين حينها بأن نتائج الانتخابات الهندية الأخيرة كانت بمثابة «انتصار للعالم الديمقراطي». إلا أنه وبالرجوع إلى الهند، نجد أدلّة على تعزيز مودي لفاشيّته مع بدء ولايته الثالثة في السلطة. 

في اليوم ذاته، 14 حزيران، أصدر حاكم ولاية دلهي إذنًا يخوّل الشرطة بمقاضاة المؤلفة الحائزة على جائزة البوكر أرونداتي روي والأستاذ السابق في جامعة كشمير المركزية الشيخ شوكت حسين بموجب قانون منع الأنشطة غير القانونية (UAPA)، وهو ما قد يؤدي إلى اعتقالهما قريبًا. 

روي هي أحد أشهر الكتاب الهنود ومحط إعجابٍ كبير عالميًا. ولطالما نُظر إليها على أنها في مأمن من قمع الدولة الذي قد يتعرض له المرء في الهند. إن الفعل الذي أقدمت عليه المؤلفة البالغة من العمر 62 عامًا، والذي قد يعرّضها للمحاكمة هو خطاب ألقته في دلهي قبل 14 عامًا ضمن مؤتمر حول كشمير. جاء ذلك عقب اضطراباتٍ حادة في المنطقة نتجت عن قتل الشرطة الهندية لما يزيد عن مائة متظاهرٍ خرجوا احتجاجًا على وفاة صبي مسلم يبلغ من العمر 17 عامًا أصابته قنبلة غاز مسيل للدموع قبلها بأيام. في تصريحاتها، قالت روي إن كشمير، ذات الأغلبية المسلمة، لم تكن يومًا جزءًا لا يتجزأ من الهند. وعلى إثر هذه التصريحات قدّمت ناشطة هندوسية يمينيّة بلاغًا للشرطة يتعلق بروي وأربعة متحدثين آخرين زاعمةً إدلاءهم بتصريحات مُناهضة للهند. 

منذ ظهور نتائج الانتخابات الهندية قبل أيام، ابتهج المعلقون حول العالم لكون الناخبين قد جرّدوا رئيس الوزراء مودي من أغلبيته البرلمانية، وأن «الديمقراطية قد أُنقذت». 

خلال حملته الانتخابية، ادعى مودي بأنه وُضِع على الأرض بتدخل إلهي. وأن حزبه، حزب بهاراتيا جاناتا، سيفوز بأغلبية ساحقة وسيحصل على ما يزيد عن 400 مقعد برلماني من أصل 543 مقعدًا. ولو حصل ذلك، فإنه لن يكون ثمّة ما هو قادر على إيقاف مشروعه العدائي المقوّض للقيم التأسيسية للهند، أي الديمقراطية العلمانية، لتقوم على أنقاضها قومية هندوسية. وقد حاز هذا المشروع «الهندوتفا Hindutva» على زخم كبير خلال العقد المنصرم، مُقصيًا بذلك الأقليات المتعددة في البلاد، بما في ذلك 200 مليون مسلم، تم تصنيفهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وبذا باتوا مستهدفين بالترهيب والعنف اللذين تقودهما الدولة.

في المقابل، شنّت المعارضة، بقيادة راهول غاندي وحزب المؤتمر الوطني الهندي الذي يترأسه، حملة شرسة مطالبين بالوحدة الوطنية ومدافعين عن القيم الدستورية. وقام بذلك بالرغم من قلة موارده المادية والتي هي أقل من تلك التي يتمتع بها حزب بهاراتيا جاناتا، وسط تعرّضه لتهديدات بالاعتقال، وفي ظل تجميد لحسابات الحزب المالية لأسابيع. في نهاية الأمر، خسر حزب مودي الحاكم 62 مقعدًا من أصل 303 معقدًا كان يشغلها سابقًا. وجّه الناخبون توبيخًا شديد اللهجة الحزب اليميني. 

Open banner link

ادعى معلقون بأننا قد نرى مودي أكثر اعتدالًا في السلطة الآن، وبأنه قد حُجّم وأن سحره قد تلاشى. وسيتوجب على حكومته الآن الاعتماد على شركائه في التحالف الذين يؤمّل أن يسهموا في التقليل من سلطويته، كما أن هناك استبشارًا بأن توجه الهند نحو الفاشية، والذي دام عقدًا من الزمان، قد أوقف. 

لكن حان وقت مواجهة الواقع المؤلم. قد يكون مودي وحزبه والمنظمة الأم منظمة التطوع الوطني راشتريا سواياميسفاك سانج (RSS)، التي تسعى إلى خلق دولة، قبل كل شيء، هندوسية، قد تعرّضوا لانتكاسة في صناديق الاقتراع، بيد أن حصة حزب بهاراتيا جاناتا من الأصوات الوطنية بالكاد تغيرت منذ الانتخابات الأخيرة عام 2019. وعلى مدى السنوات العشر المنصرمة، ألحق مودي وحزبه ضررًا بالغًا بمؤسسات الدولة الديمقراطية وللعلاقات بين شعوب الدولة المتنوعين بصورة يصعب معها إصلاحها أو استعادتها. حيث استولوا على العديد من المؤسسات شديدة الأهمية؛ من القضاء إلى وسائل الإعلام والأكاديميا، مخربين إياها من خلال تعيين قُضاة ومسؤولين جامعيين ذوي ميول متعاطفة مع منظمة التطوع الوطنية، ومحولين وسائل الإعلام لأبواق موالية للنظام. 

حوّلت الحكومة قوانين مكافحة الإرهاب إلى سلاح تقوم عبره باعتقالات جماعية للمعارضين. إن الاعتقال المحتمل لروي بموجب قانون منع الأنشطة غير المشروعة ليس إلا المثال الأحدث والأبرز. ربما يكون أشهر مثال هو قضية باهيما كوريجان، وهي مجموعة متنوعة تضم 16 شخصًا من الأساتذة والمحامين والفنانين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان يناضلون من أجل تحقيق عدالةٍ اجتماعية وضد اللامساواة، وقد زُجّ بهم في السجون منذ 2018 دون تهمٍ أو محاكمة بموجب قانون منع الأنشطة غير المشروعة. حدث ذلك رغم تقديم بعض الباحثين الرائدين في مجال التحاليل الجنائية السيبرانية في الولايات المتحدة ما يظهر أن الأدلة المستخدمة لاعتقال هؤلاء كانت قد دُست في حواسبيهم. وبعد مضي ما يزيد عن ست سنوات على أول اعتقال، ما يزال العديد من أولئك الستة عشر يقبعون في السجون دون محاكمة، وتوفي أحدهم في السجن. كما نأى القضاة بأنفسهم مرارًا عن ترؤّس جلسات الاستماع للإفراج عنهم بموجب كفالة، كما سحبت القضايا في اللحظات الأخيرة من القضاة الذين يشكّ في أنهم قد يوافقون على تكفيلهم، وحوّلت إلى قضاة معروفين بتأييدهم لحزب بهاراتيا جاناتا. وبعد مغادرة مناصبهم، أعلن اثنان من قضاة المحكمة العليا ولاءهما الأيديولوجي لمنظمة التطوّع الوطني. إن انتماءاتٍ كهذه بين المسؤولين الحكوميين ذوي الدوافع الأيديولوجية متجذرة للغاية بصورة تجعل التخلص منها أمرًا شديد الصعوبة.

لقد سُجن المسؤولون التي انتقدوا مودي، بعضهم سجن مدى الحياة بتهم مشككٍ بها، أو واجهوا عواقب وخيمة أخرى. كما واجهت وسائل الإعلام التي لم تتوافق مع النظام خطر الإغلاق، بينما سجن الصحافيون الأفراد أو أُسكتوا، من خلال استهدافهم من قبل السلطات الضريبية أو مكافحة الفساد أحيانًا. وحدث هذا أيضًا للمنظمات البحثية والجمعيات الخيرية والمنظمات غير الحكومية. وبالتالي فإن استهداف روي ما هو إلا دلالة على أن هذا القمع لن يتوقف بل سيزداد قوةً. 

ولعل السمة الأكثر إقلاقًا تتمثل في الجيوش المؤلفة غالبًا من الشباب الذين جرت تعبئتهم على يد نظام مودي، ممن يعتقدون بأن واجبهم تسيير دوريات وحماية الهند من المسلمين. بعد يومين من إعلان نتائج الانتخابات الهندية، أفادت تقارير بأن مجموعة من الغوغاء قد هاجمت شاحنة محمّلة بالأبقار في ولاية تشهاتيسجاره. وضُرب شخصان كانا على متنها حتى الموت، ورُميت جثتاهما من أعلى الجسر، فيما تعرّض ثالث لإصابة بليغة حين رمى نفسه من فوق الجسر لينجو بحياته. الضحايا كانوا مسلمين، وأُلقي اللوم على «حرّاس الأبقار»، وهي حشود من الهندوس يقدسون الأبقار. ومنذ صعود مودي إلى السلطة أي منذ عقد، وقعت المئات من هذه الهجمات الغوغائية في شتى أنحاء البلاد، تغذيها الكراهية الدينية التي يحملها جيل من الشباب الهندوس نشّئوا على نهج مودي المليء بالعداء الطائفي والعصبية والعنف. فهم ينتظرون برماحهم ومسدساتهم وخناجرهم للتصدي لأي شخص يظنون أنه ينتهك التفوق الهندوسي. 

إن النمر الجريح بمثابة وحش خطر. ومن المعلوم بالضرورة أن ناريندرا مودي يلاحق أولئك المتحدين له بغية تلقينهم درسًا. لذا فإن استهداف أرونداتي روي يبدو وسيلة سيحقق من خلالها أمرين؛ أولهما أن يُري منتقديه أن لا أحد في مأمن، وثانيهما أن يُطمئن أنصاره بأنه ما يزال أقوى مما مضى. هناك الكثير مما يستدعي الاحتفاء بنتائج الانتخابات الهندية، إلا أن الأمور قد تزداد سوءًا قبل أن تتحسن.