منذ وفاته نهاية العام 1996 والسؤال التالي يؤرّقني، هل الحياة والمجتمع والمؤسسات الثقافية هي التي خذلت الموهبة الفنية الكبيرة للفنان توفيق السيد، أم أنه هو نفسه قد خذل تلك الموهبة التي اختزنها منذ طفولته المبكرة، وعاشت معه وأنتجت 12 معرضًا شخصيًا، والكثير من الإسهامات في المعارض الجماعية والتظاهرات الفنية، في الأردن والعالم؟[1]

لوحة «بورتريه» لتوفيق السيد (1979). المصدر: المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.
تعرفت إلى توفيق السيد مطلع ستينيات القرن الفائت. وقتها كان قد تبرّع بإعطائي دروسًا مجّانية في الرسم. ورغم أن الدروس لم تكن كثيرة إلّا أن علاقتي بالسيد لم تنقطع، ففي العام 1963 شاركت معه إلى جانب عشرات الفنانين التشكيليين المحترفين منهم والهواة في «معرض الخريف الكبير»، الذي أقامته حينها «ندوة الرسم والنحت الأردنية». وكنا، هو وأنا أعضاء فيها.
لا زلت أذكر أن مشاركة السيد في المعرض اقتصرت على لوحتين أعطاهما عنوانين غامضين هما: «س» و«ص»، وثبّت سعر كل منهما بثلاثين دينارًا، وهو سعر كبير في ذلك الزمن. عند العودة إلى كتالوج المعرض نلحظ أن كلّ الفنانين المشاركين قد ضمّنوا الكاتالوج صورًا فوتوغرافية لهم مع سيرة مختصرة، باستثناء السيد الذي رسم بورتريه لنفسه، وهو رسم أظهر قوة خطوطه وجرأتها. هكذا منذ بداياته المبكرة كفنان تشكيلي كان السيد يجنح إلى إظهار اختلافه عن الآخرين.[2]

غلاف كتالوج معرض الخريف الكبير (1963)
ولد توفيق السيد في صفد عام 1939. وعلى إثر نكبة 1948 انتقلت الأسرة إلى عمّان، حيث استقرت مبكرًا في جبل الجوفة، أحد أقدم أحياء المدينة وأكثر قربًا إلى وسطها التجاري. عمل عبد الله السيد، والد توفيق، مقاول بناء، حيث ترك وراءه بعض البصمات في عمارة عدد من المدن الأردنية. وأنجب ثلاثة أبناء وخمس بنات، وكان توفيق أكبر أبنائه.
التحق توفيق وإخوته بالمدارس الحكومية، وفي سن مبكرة أظهر اهتمامه بالرسم والتشكيل بمختلف الخامات، بما فيها الفحم الطبيعي والطين، حيث استخدمهما في تشكيل لوحاته المبكرة، كما مارس الرسم الكاريكاتوري وهو على مقاعد الدراسة الثانوية.
عام 1956 طُرِد توفيق من مدرسته بسبب مشاركته في مظاهرة منددة بالاستعمار في المنطقة، ومُنِع إثر هذا الطرد من الالتحاق بأي مدارس حكومية أخرى، مما اضطره للانتقال للدراسة في كلية الأقباط الأرثوذكسية في القدس.
وفي تلك الكلية أقام أوّل معارضه الفنية ولمّا يكن قد تجاوز التاسعة عشر من عمره، كما بدأ في الوقت نفسه ينشر أولى رسومه الكاريكاتورية في جريدة «الشعب» المقدسية. وفي 1960 شارك في معرض «من أجل السلام» في باريس، بناء على مسابقة دولية أطلقتها اليونسكو، وحصل إثرها على جائزة مالية من منظمي المعرض.

من تخطيطات توفيق السيد «بدو» (1980). المصدر: المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.
رغم موهبته الظاهرة، لم يتقبل والد توفيق انخراط ابنه في الرسم ولم يشجعه على السير في هذا الطريق. تقول ميساء السيد، ابنة توفيق الكبرى، إن الجدّ كان يرى أن على ابنه اختيار مسارٍ وظيفيٍّ مستقر، كما فعل أخواه الأصغران، صلاح الدين ومازن، لكنّ توفيق كان له رأي آخر.
اعتمادًا على مهاراته في الرسم، عمل توفيق بعد تخرّجه من الثانوية عام 1960 رسامًا في قسم الإحصاء التابع لوزارة التربية والتعليم. ثم انتقل للعمل في قسم الوسائل التعليمية التابع للوزارة ذاتها. وفي العام نفسه انتقل للعمل في دائرة الآثار العامة التابعة لوزارة السياحة، لكنه لم يستمر في هذا العمل أكثر من شهر واحد.
في مقابل هذا المسار الوظيفي المضطرب، كان نجم توفيق السيد يصعد شيئًا فشيئًا كفنان تشكيلي واعد. ولم تتوقف طموحات السيد عند تكريس مكانة له في الصفوف الأولى لفناني الأردن التشكيليين، بل ظل يتطلع لإيجاد موطىء قدم له في الساحة الفنية العربية. ففي الوقت الذي انضم فيه إلى «ندوة الرسم والنحت الأردنية»، وشارك في معرضها الشهير، «معرض الخريف الكبير» في أواخر 1963، كان يشارك في العام نفسه في «معرض الفن الحديث» بالقاهرة.
ثم ارتحل إلى العراق في العام التالي حيث أمضى هناك بضعة أشهر. وفي الكويت أقام أول معرض شخصي له خارج الأردن عام 1965. واعتبارًا من منتصف الستينيات ستشهد عمان سلسلة من المعارض الشخصية لأعماله، منها معرضان ارتبطا بحرب حزيران 1967 ونتائجها الكارثية؛ أولهما معرض «يوميات الحرب» في قاعة أمانة العاصمة في عمان، والثاني في المركز الثقافي البريطاني (1968) بالمشاركة مع الفنانة البريطانية شيلا موريس، وعكس فيه رؤيته لواقع المعاناة الفلسطينية بعد الحرب والنزوح.
تأثر السيد أول الأمر بأسلوب مهنا الدرة الواقعي التعبيري، ويقال إنه تلقى دروسًا على يده. وكان الدرة يكبر السيد بعام واحد، لكنه كان من أوائل الفنانين الأردنيين الذين تلقوا تعليمًا أكاديميًا في الفن. وقد نافس السيد الدرة في رسم الوجوه، ولا سيما الوجوه البدوية، وتجلت قوته في تخطيط الوجوه والأجسام، بل إن السيد كان يرى نفسه سبّاقًا في تجسيد الوجوه البدوية، كما عبر عن ذلك في إحدى مقابلاته الصحفية.
الآثار الأسلوبية التي تركتها الدرّة على أعمال السيد المبكرة كانت جلية، حتى إن البعض سيجد صعوبة في التمييز بين أعمالهما. وإذ أشارت هذه المضاهاة إلى قوّة أثر أسلوبية الدرة في رسم الوجوه البشرية، فإنها ربما تشير أكثر إلى براعة السيد وسرعة امتلاكه لأدوات التعبير التي استعارها من الدرة. وهو ما لاحظه المراقبون لمسيرة السيد، من حيث امتلاكه غرائز فنية عالية طوعت له أدوات الرسم بمختلف الخامات التي طالتها يداه: الألوان الزيتية والمائية وألوان الجواش والأحبار، وفن الحفر والنحت. وبطبيعة الحال لم يكن هذا ليحدث بين ليلة وأخرى، وإنما على مدار سنوات من العمل والاجتهاد ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
المدهش في الأمر أن توفيق السيد حقّق قفزات تقنية وأسلوبية لافتة دون أن تسنده، حينذاك، خلفية أكاديمية فنية، حيث ظل تعليمه حتى مطلع السبعينيات مقتصرًا على الدراسة الثانوية، وهو ما يشير إلى أن العنصر الأبرز في منجزه التشكيلي هو تحصيله الذاتي الثقافي والتقني، والذي مكنه من نحت مكانته في المسار التشكيلي الأردني والعربي.


عمل للفنان مهنا الدرة (يمين، أسفل) وعمل آخر للفنان توفيق السيد (يسار، أعلى)
تجلّت في هذه المرحلة التي جارى فيها السيد زميله الدرة في رسم الأشخاص والوجوه والتي بلغت أوجها منتصف الستينيات قدرة السيد على التشخيص بأسلوب واقعي تعبيري معتمدًا على رسم الأجسام البشرية والوجوه بخطوط قوية، ثم تعبئة الفراغات ما بين الخطوط بمساحات لونية سميكة متدرجة ما بين البرودة والدفء. هكذا رسم الوجوه البدوية والنسائية، وأحيانًا الجموع البشرية بالملابس المحلية ضمن تكوينات متينة مفعمة بالألوان.

تخطيط «بورتريه» للفنان توفيق السيد (1980). المصدر: المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.
وفي المرحلة نفسها وجدنا السيد يذهب إلى الطبيعة، ولا سيما إلى المشاهد المعمارية التي تجلت في رسمها قوته التخطيطية وتكويناته المتماسكة. هنا وجدنا رسومًا للأحياء الشعبية والعمائر والممرات الصخرية الضيقة، كالتي في سيق الخزنة في البترا.
مطلع سبعينيات القرن الماضي جاءت السيد الفرصة التي انتظرها طويلًا، إذ حصل على منحة لدراسة الفن في أكاديمية سان فرناندو الاسبانية. وفي إسبانيا التي تتضارب المصادر حول إن كان قد أكمل تعليمه فيها حتى النهاية، أقام السيد عددًا من المعارض الشخصية، فضلًا عن مشاركته في معارض وتظاهرات فنية وجماعية. وقبل العودة للأردن انتقل إلى إيطاليا وأكمل دراسته الأكاديمية ما بين العامين (1976-1979) في أكاديمية الفنون الجميلة في روما.
مع نهاية عقد السبعينيات، كانت الحركة التشكيلية الأردنية قد اغتنت بعودة عدد من دارسي الفنون الأردنيين من جامعات القاهرة وبغداد ودمشق وبعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا. وهكذا وجد توفيق السيد نفسه في خضم حركة فنية ناشطة تعج بالاتجاهات الحداثية والتجارب الشخصية المتنوعة.
انخرط توفيق بحماس في هذا الحراك الفني، وكانت أبرز نشاطاته معرضه الشخصي في المركز الثقافي الفرنسي عام 1982، وفي 1984 اختير السيد عضوًا في لجنة تحكيم بينالي القاهرة الدولي، ما يشير لترسخ مكانته كفنان تشكيلي بارز على الصعيد العربي. كما شارك في النصف الأول من الثمانينيات في 11 معرضًا جماعيًا لفنانين أردنيين أقيم بعضها خارج الأردن.
أقام السيد معرضه الشخصي الأخير في الأردن في الأستوديو الخاص به في جبل الجوفة عام 1985، حيث عرض أعمالًا تعود لمراحل مختلفة من مسيرته الفنية، إضافة لعرض التمثال الذي نفذه لـ«أبو القاسم الزهراوي»، الطبيب والجراح الأندلسي، الذي عرف بإعداده أول موسوعة طبية معروفة. أما آخر معارضه خارج الأردن فكان عام 1988، في معهد الفنون في كشمير، وضم أعمالًا متنوعة للسيد في الرسم والنحت.
في السبعينيات وما بعدها، تعرفنا على رسوم توفيق السيد المائية. هنا وجدنا تمرّسًا استثنائيًا بالرسم بالألوان المائية، وهي خامة لونية تحتاج إلى مهارات خاصة للحفاظ على نقاء وشفافية الألوان. ومن الأعمال المعروفة لرسومه المائية مشاهد عامة لعمان، حيث تَظهر جبال المدينة وتلالها في النصف العلوي من اللوحة، فيما تملأ سطوح المباني القريبة وسقوفها مقدمة اللوحة، مظهرة الأعمدة الإسمنتية التي تميز سطوح المباني في المناطق والجبال الشعبية، إنها أعمدة خرسانية (من إسمنت وحديد) تعلو سطوح تلك المباني، تمهيدًا لرفع طوابق جديدة فوقها، حيث اعتادت الأسر الممتدة بناء طوابق جديدة لكل جيل جديد من الأبناء.

لوحة مائية لمدينة عمان للفنان توفيق السيد
بعد عودته من الدراسة في إسبانيا وإيطاليا، نجد تنوعًا في اهتمامات السيد الفنية، فإلى جانب لوحاته التي باتت أميل للتجريد، نجد أنه قد انغمس في النحت، وأنتج عددًا من الأعمال النحتية التي اتسمت بالطابع الواقعي والكلاسيكي، والتي أرجّح أنها كانت نتاج فترة دراسته الأكاديمية، حيث يغلب على مواصفاتها الأشكال البشرية والوجوه المنفذة بأسلوب كلاسيكي. وقد لازم النحت السيد حتى آخر حياته.
اهتم السيد كذلك بالتصميم المعماري، حيث أنجز تخطيطات لنصب معمارية اتسمت بتكوينات دينامية، واستندت إلى دراسات تفصيلية وتخطيطات مسبقة، لكن معظم هذه التصاميم، إن لم نقل جميعها، لم تجد طريقها للتنفيذ، وظلت أسيرة الأدراج شأنها شأن العديد من أعماله الورقية.
كما مارس السيد الرسم الكاريكاتوري في مرحلة مبكرة من عمره، أي منذ كان في المرحلة الثانوية من دراسته. وقد شكلت صحف القدس اليومية ومجلاتها الأسبوعية متنفسه الرئيسي للتعبير عن آرائه السياسية. وعاد لممارسة هذا الفنّ في مرحلة متقدمة من عمره، ولا سيما خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث نشرت رسومه في صحيفة «الدستور» و«الأخبار» اليوميتين، وفي مجلات مصورة أسبوعية، مثل «الناس» و«الإثنين».
أخيرًا، تتحدث مصادر عن ممارسة السيد لفن الجرافيك (الحفر) على مادتيْ اللينوليوم والزنك، وهي أعمال غير معروفة إلّا للقلة، وأنا شخصيًا لم أشاهد له عملًا جرافيكيًا من قبل. وتوصف أعماله الحفرية «بالنظافة في التنفيذ والدقة في الحفر والتشريح». وقد جمع السيد أحيانًا بين أعماله الحفرية والرسم بالأحبار على سطح النسخ المطبوعة.[3]
كان آخر مشاريع توفيق السيد إنشاء ما أسماه «التجمع العربي الديمقراطي للدراسات الجمالية»، في أواخر الثمانينيات، والذي اتخذ من مسكنه ومرسمه مركزًا له، لكن هذا المشروع الطموح، الذي دعا إليه عددًا من النقاد المهمين في العالم العربي لمشاركته في إطلاقه، لم يحظ بالاستجابة المرجوة، فمات قبل أن يأخذ طريقه للتنفيذ.
وحسب السيرة الذاتية التي أعدها السيد عن نفسه عام 1992، كان آخر عمل له هو العمل كأستاذ زائر في أكاديمية بادن كسنت في النمسا، خلال عامي 1991 و1992، حيث نظم عدة دورات فنية لطلبة الكلية.

لوحة بعنوان «لاجئ» لتوفيق السيد (1979). المصدر: المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.
يُجمِع مختلف الأشخاص الذين تعاملوا مع توفيق السيد على أنه كان شخصًا صعب المراس، وشخصية ذات «أبعاد مركبة»، حسب تعبير ابنته ميساء، وتستدرك فتقول إنه رغم ما كان يبديه عادة من صرامة في تعاملاته اليومية إلّا أنه كان رجلًا حساسًا.
في العشرين من كانون الأول 1996، وبعد سنوات أخيرة من حياته قضاها في عزلة اختيارية في مرسمه الخاص في جبل الجوفة، مقتصرًا في اتصالاته على عدد قليل من أصدقائه، رحل توفيق السيد، ولم يكن قد تجاوز السابعة والخمسين من العمر، تاركًا وراءه إرثًا مهمًا من الأعمال الفنية المتنوعة، والتي تنتظر اليوم أن تجمع في ألبوم أو كتاب يُعرّف بإرثه الفني.
[1] توفيق السيد، حياته وفنه، أبو زريق محمد، العامري محمد، أبو لين زياد، وزارة الثقافة الأردنية، عمان، 1998.
[2] كتالوج معرض الخريف الكبير، 1963. ويمكن العودة كذلك لكتاب الفن المعاصر في الأردن للأميرة وجدان الهاشمي، الجمعية الملكية للفنون الجميلة، الأردن، 1996.
[3] يمكن العودة للمزيد حول هذه المسألة إلى كتاب «»توفيق السيد، حياته وفنه«»، أبو زريق محمد، العامري محمد، أبو لين زياد، وزارة الثقافة الأردنية، عمان، 1998. الصفحات 67 و68.