شغل ومعيشة

العمل الحر المنظم: هل هو الحل لعاملات المنازل في الأردن؟

يطرح العمل الحر على نمط المياومة حلًا ممكنًا لانتهاكات عاملات المنازل، غير أن التشريعات السارية تحول دون اعتماد هذا الشكل من التعاقد وتمنع تقنينه.
العمل الحر المنظم: هل هو الحل لعاملات المنازل في الأردن؟
27 أيار 2025
شغل ومعيشة

العمل الحر المنظم: هل هو الحل لعاملات المنازل في الأردن؟

يطرح العمل الحر على نمط المياومة حلًا ممكنًا لانتهاكات عاملات المنازل، غير أن التشريعات السارية تحول دون اعتماد هذا الشكل من التعاقد وتمنع تقنينه.
27 أيار 2025

رغم حصول عائشة على دبلوم إدارة الأعمال في بلدها بنغلاديش إلا أنها كانت تدرك أن الحصول على فرصة عمل لن يكون سهلًا خصوصًا في ظل المنافسة العالية على عدد قليل من الوظائف، وهذه بالنسبة لها ضريبة أن تولد في واحد من أكثر البلدان فقرًا واكتظاظًا بالسكان في العالم، وحيث يتحمل الشباب في مثل هذه الدول أعباءً كبيرة لرعاية عائلاتهم التي تعيش ظروفًا صعبة.

كان على ابنة التاسعة عشر آنذاك أن تحصل على عمل في أسرع وقت ممكن، لذا قدّمت أوراقها لمكاتب التشغيل الموجودة في بنغلاديش من أجل العمل كعاملة منزل في الأردن، وكانت قد سمعت من أختها الكبرى التي سبقتها بسنوات أنها تحصل على راتب جيد من كفيل يسمح لها باستئجار منزلها الخاص، وأنها تحظى بحياتها الخاصة بعد انتهاء ساعات العمل. أُعجبت عائشة بما سمعته وقررت المضي قُدمًا حتى تساهم في إعالة أسرتها خاصةً أن والدها كان مريضًا فيما تفرّغت والدتها للاهتمام بشؤون المنزل، ولها ثلاثة إخوة أصغر منها، فيما صار من الصعب على أختها أن تتحمل وحدها المسؤولية المالية للعائلة.

منذ ست سنوات، عندما وصلت عائشة إلى الأردن، عرفت أنها ستعمل في أحد منازل مدينة الرمثا، وكما جرت العادة احتفظ صاحب المنزل بجواز سفرها، إضافة إلى أنها مُنعت من التواصل مع العالم الخارجي، رغم أنه لا يحق لصاحب العمل حجز جواز سفر العاملة أو أوراقها الشخصية.[1] طيلة ثلاثة أشهر لم تتواصل عائشة مع أهلها ولم تخرج حتى إلى السوق إلا بضع مرات مع مرافق من عائلة صاحب العمل، فيما كانت تحصل على راتبها البالغ 200 دولار -حوالي 140 دينارًا- آخر كل شهر.

إلى جانب ذلك، لم تحظَ عائشة بغرفة خاصة لها رغم أنها تعمل في فيلا مكونة من ثلاثة طوابق، إنما كانت تضع فرشتها في المطبخ وتنام بجانب فرن الغاز، ولم يفِ أصحاب العمل بوعدهم لها ببناء غرفة صغيرة خاصة بها في حديقة المنزل. لم يكن هذا أصعب ما في العمل، إنما اضطرارها للعمل لساعات طويلة في تنظيف الطوابق الثلاثة وحدها، وما إن تنتهي منها حتى تبدأ أعمال الحديقة، وقد أخبرت صاحبة المنزل عن مشقة العمل لكن أحدًا لم يكترث.

أثناء العمل في الحديقة تعرّفت عائشة على عاملة من بنغلاديش تعمل من المنزل المجاور، وبعدما أخبرتها بظروف العمل ساعدتها هذه العاملة في التواصل مع شقيقتها المقيمة في عمّان، ثم خططتا للهروب من المنزل، وهو ما حدث عندما خرجت عائشة يومًا لرمي القمامة وكانت سيارة تاكسي بانتظارها، فأقلّتها إلى عمّان حيث اختبأت في منزل أختها بعدما قضت ثلاثة أشهر من العمل في فيلا الرمثا.

وفقًا للبيانات الرسمية، بلغ عدد عاملات المنزل المسجلات في الأردن عام 2023 حوالي 56 ألف عاملة من سبع جنسيات مختلفة، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن عدد العاملات الهاربات بلغ أواخر العام الماضي حوالي 13 ألف عاملة. وبحسب ليندا كلش، مديرة مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، فإن دوافع العاملات للهروب متنوعة منها ما يتسبب بها أصحاب العمل مثل التخلف عن دفع الرواتب أو عدم الالتزام بعقد العمل، ومنها ما يحدث بسبب عدم التوافق بين الطرفين بسبب عدم معرفة العاملة بطبيعة المنزل وأصحاب العمل، وفي بعض الحالات يكون الهروب مقصودًا من قبل العاملات ويفكّرن به قبل وصولهنّ الأردن بقصد العمل بشكل حرّ وإن كان غير مقوننٍ نظرًا لجدواه المالية إذا ما قورن بالعمل النظامي.

لم تعرف عائشة عندما وصلت إلى الأردن كافة المعلومات عن صاحب العمل وطبيعة العمل، كما لم تعلم الكثير عن حقوقها وآليات التقدّم بالشكاوى لوزارة العمل في حال تعرّضها لانتهاكات عمّالية.

الحياة بعد الهروب

لست سنوات تالية عملت عائشة بشكل غير نظامي بعدما عرّفتها أختها على أشخاص تعمل لصالحهم بالمياومة أو بنمط أسبوعي أو شهري. كان كل عمل تتلقّاه يفتح لها بابًا للعمل في منزل آخر، وكانت تحصل على أجرٍ أعلى مما كانت تتقاضاه في العمل النظامي يتراوح بين 350 إلى 400 دينار شهريًا، وقد سكنت مع أختها وتشاركتا دفع الإيجار، فصارت تدفع 80 دينارًا شهريًا للإيجار، وترسل إلى أهلها في بنغلاديش 160 دينارًا، والبقية لنفقاتها المعيشية والمواصلات التي كانت تختلف من شهر إلى آخر بحسب أماكن العمل. وقد شعرت خلال هذه السنوات بأنها أحسن حالًا: «بدأت أشعر بأنني أكثر حرية، أشعر بأن لدي منزل على الأقل».

يشير مدير وحدة المساعدة القانونية للعمال المهاجرين في مركز عدالة لدراسات حقوق الإنسان، سالم المفلح، إلى أن العاملات الهاربات إما يلتحقن بمكاتب خدمات عامة تدخلهنّ بدورها إلى سوق العمل الحر غير النظامي، أو أن ينخرطن في مجتمعات العاملات من الجنسية ذاتها اللواتي يساعدن في توزيع أرقام العاملات عبر العائلات التي تحتاج عاملات بالمياومة. مؤكدًا أن للعمل غير النظامي أفضلية على العمل النظامي من حيث الأجور والحرية. تتراوح أجور العاملات بين 250-450 دولارًا (ما يعادل 180-320 دينارًا تقريبًا) بحسب الجنسية، وقد تجني العاملة أكثر من ذلك أحيانًا. أما من ناحية الحركة فإن معظم العاملات يعانين من قيود تمنعهنّ من الخروج من المنزل أو الحصول على الإجازات، وكثيرًا ما لا يلتزم أصحاب العمل بساعات العمل المحددة بالقانون، قائلًا إن بعض العاملات يلمسن فارقًا إيجابيًا في حياتهن بعد الهروب حتى وإن لم يحصلن على دخلٍ أعلى.

من جانبه، يرى المدير العام للمركز الأردني لحقوق العمل «بيت العمال» حمادة أبو نجمة أن العمل وفقًا لشكل التعاقد الساري حاليًا يزيد فرص انتهاك حقوق العاملات، كما أنه لا يمكّن وزارة العمل من الرقابة الفاعلة على وضعهنّ في المنازل، تحديدًا أن نظام العاملين في المنازل لا يتعامل مع منزل صاحب العمل باعتباره مكانًا للعمل فقط، إنما يشترط لحرية الحركة إذن صاحب العمل، إذ ينص على التزام العاملة بـ«إعلام صاحب المنزل قبل ترك المنزل أو مغادرته أو التغيب عنه».

صحيح أن عائشة أحسّت أنها أحسن حالًا وهي تعمل بشكل حر، إلا أن مشاعرها هذه كانت مختلطة بقلقٍ يصاحب معظم العاملات الهاربات حيث يصير هاجس التسفير فيما لو تم القبض عليهن جزءًا من حياتهن. تقول عائشة إن العاملات يتناقلن الخبرة والنصائح حتى لا يتم الإمساك بهن، كما يلتزمن بالتنقّل باستخدام التطبيقات بدل التكاسي الصفراء، ويقللن قدر الإمكان من المشي في الشوارع أو التفسّح غير الضروري، وإذا مرضت إحداهن تعتني الأخريات بها ليتجنّبن زيارة الطبيب، وهي تعتبر نفسها محظوظة أنها لا تمرض كثيرًا.

بالمقابل، يرى المفلح أن العمل غير النظامي عمومًا يعرّض العاملات إلى استغلال أكبر من قبل بعض مكاتب الخدمات أو قد يُحرمن من أجورهن من قبل بعض أصحاب العمل دون القدرة على تقديم شكوى بحقهم، فضلًا عن المخاطر الأمنية أو الجسدية التي قد يتعرّضن إليها جراء التعامل مع أشخاص غير معروفين بالنسبة للعاملات.

لحسن الحظ لم تتعرض عائشة للاستغلال خلال سنوات العمل الحر، ولطالما كانت تعي مثل هذه المخاطر، لكنها كانت توافق بكل الأحوال على العمل بشكل أسبوعي أو شهري عند بعض العائلات التي لا تعرفها: «صحيح أنني لا أعرفهم، لكنني بالنهاية أريد أن أعمل».

نظامٌ إشكالي وحلول قاصرة

في دراسات سابقة أشار مركز تمكين أن الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات كبيرة وشاملة وممنهجة، عازيًا ذلك إلى عدة أسباب على رأسها نظام الاستقدام والاستخدام الذي يرسّخ -وفقًا للمركز- هذه الانتهاكات، وكذلك تجريم الهروب من مكان العمل باعتباره مكانًا للسكن أيضًا وهو ما يعرّض العاملات لعزلةٍ شبه تامة قد تؤدي إلى تعزيز سوء المعاملة بحقهن.

Open banner link

إن العاملات في المنازل مستثنياتٍ من أحكام قانون العمل وينظّم عملهنّ بموجب نظام «العاملين في المنازل وطهاتها وبساتينها ومن في حكمهم» ونظام «تنظيم المكاتب الخاصة العاملة في استقدام غير الأردنيين العاملين في المنازل». وتحكم هذه الأنظمة بطبيعة الحال شكل التعاقد مع العاملات حتى وإن تضاربت فيما بينها، فمثلًا يلزم النظام الأخير صاحب العمل بدفع تكاليف تصريح العمل وإذن الإقامة، ولا يعطي للعاملة هذا الحق لنفسها، فيما يعاقب نظام العاملين في المنازل العاملة نفسها بالغرامات أو الإبعاد إذا ما تجاوزت مدة الإقامة المسموح بها.[2]

يُذكر أيضًا أن الأردن سمح عام 2019 للوافدين العاملين في قطاعات محددة مثل الزراعة والإنشاءات[3] بإصدار تصاريح العمل الحر، أو المعروفة باسم تصاريح المياومة، وهي تتيح للعامل التنقل بين أصحاب العمل دون الحاجة إلى كفيل، لكن منح هذه التصاريح لا يشمل العاملات في المنازل، كما أن على العمال الراغبين بالحصول على هذا النوع من التصاريح أن يكونوا مسجلين بالضمان الاجتماعي وهو ما لا ينطبق على عاملات المنازل.

من جهته، يوصي المرصد العمالي الأردني بإعادة النظر بالمنظومة التشريعية المتعلقة بالعمّال المهاجرين بالأردن واستبدال نظام الكفالة وتعقيداته وأنظمة استقدام العاملات بنظام العمل الحر، وبما يضمن للعمّال حقوقهم وفقًا للمعايير الدولية ومنها حرية السفر والتنقل واختيار صاحب العمل، وأن يكون طرفًا رئيسًا في عملية التعاقد مع صاحب العمل، وأن يمتلك الإرادة لإلغاء عقد العمل حين يريد ضمن شروط معينة، وذلك لوضع حد للفوضى التي يعاني منها سوق العمل من حيث اتساع رقعة العمالة المهاجرة غير النظامية، ولحماية العمالة الوافدة من العديد من الانتهاكات ضدهم.

ورغم أن كثيرًا من العاملات سيفضلن العمل الحرّ في حال قوننته، إلا أن المفلح يرى ضرورة وجود ضوابط تحكم طبيعة هذا العمل، قائلًا إنه لا يمكن طرحه كحل لهروب العاملات إلا بعد دراسة متأنية لإرضاء جميع الأطراف. أما أبو نجمة فيرى أنه لا يمكن تشريع نظام العمل الحر للعاملات بإرادتهن المطلقة دون تنظيم من شركات معينة، مقترحًا العمل من أجل التوصل إلى شكل جديد من التعاقد يحدّد علاقة العمل بين العاملات وأصحاب العمل دون التدخل في الحياة الشخصية للعاملات؛ كأن تترك لهن الحرية الكاملة باختيار مكان السكن فلا يُجبرن على المبيت في منزل صاحب العمل، أو أن توفر بعض مكاتب الاستخدام -بشروط محددة بالقانون- خدمات المياومة التي تقدمها العاملات فيما توفر هذه المكاتب المساكن للعاملات بحيث تكون مجهزة تحت إشراف الحكومة، وهو ما سوف يسهّل الرقابة ويحفظ حقوق العمال بشكل يتفوّق على النظام الحالي.

يشير المفلح إلى أن بعض الأطراف المعنية قد لا تشجع وجود أشكال أخرى من التعاقد مع العاملات، ومنها مثلًا مكاتب الاستقدام المعنية ببقاء طريقة التعاقد الحالية حيث تتولى وحدها مسؤولية استقدام العاملات، وقد ترفض شكلًا آخر للتعاقد من شأنه أن يسبب لها خسارة بعض أرباحها. معتقدًا إن إجراء تغييرات جذرية في مسألة شكل التعاقد مع عمالة المنازل ليست ضمن رؤية وزارة العمل حاليًا.

من ناحيته يشير الناطق الرسمي باسم وزارة العمل، محمد الزيود، إلى أن تصريح العمل يهدف إلى حماية حقوق العمّال الذين قد يعرضون أنفسهم إلى الاستغلال أثناء العمل غير القانوني، وأن الوزارة استحدثت خدماتها الإلكترونية لتقديم الشكاوى عبر منصة «حماية» بعشر لغات، التي استقبلت خلال النصف الأول من العام الماضي 508 شكاوى مقدمة من أصحاب منازل بحق مكاتب استقدام، و303 شكاوى مقدمة من العاملات.

ورغم أن مجلس الوزراء أقر نظام «تنظيم المكاتب العاملة في استقدام غير الأردنيين العاملين في المنازل لسنة 2020» من أجل معالجة قضايا هروب عاملات المنازل، إلا أن الحلول المتعلقة بتغيير شكل التعاقد مع العاملات لم تطرح على الطاولة بعد. يقول الزيود إنه لا يُسمح حاليًا بأشكال أخرى من التعاقد «لضبط سوق العمل وحماية العاملات»، مضيفًا أن العمل الفردي كما هو ثابت يسبب الكثير من الانتهاكات ولا يمكن ضبطه بحسب وجهة نظر أصحاب القرار، مضيفًا أن شكل التعاقد الحالي يحكمه التنسيق مع الدول التي تُستقدم العمالة منها عبر اتفاقيات ثنائية.

خلال شهري كانون الثاني وشباط من العام الحالي ضبطت وزارة العمل 2419 عاملًا مهاجرًا يعملون بشكل مخالف لأحكام قانون العمل، منهم 104 من العاملات في المنازل، وقد تسبب الإعلان عن حملات مكثفة تجريها الوزارة بحالة من الهلع لدى كثير منهن، أما عائشة فكانت منذ بداية العام عن سمعت عن هذه الحملات وتمّ تسفير العديد من صديقاتها إلى بلادهن، لذا عادت إلى العمل النظامي واستطاعت منذ شهرين الحصول على كفيل جديد من زبائنها القدامى الذين يعرفون وضعها القانوني جيدًا.

اتفق الطرفان على أنها ستعمل ثماني ساعات يوميًا مقابل 350 دينارًا في الشهر، وأنها لن تعمل ساعات إضافية بدون أجر إضافي، وليس عليها أن تبيت في منزل صاحب العمل والذي ساعدها كذلك في دفع حوالي ثلاثة آلاف دينار بدل الغرامة المترتبة عليها جراء عمل السنوات السابقة بدون تصريح.

ورغم أن الأجر الحالي يعادل تقريبًا الحد الأدنى الذي كانت تتلقاه أثناء العمل الحر، إلا أنها سعيدة بالبقاء في الأردن من أجل العمل: «كان يجب أن أبقى بأي ثمن» حتى تتكفل بالأقساط الجامعية لأختها في بنغلاديش، قائلة «أنا فتاة تحمل شهادة علمية وأعمل «خادمة»، لكنني لن أسمح لذلك أن يحصل لأختي، أريدها أن تعمل بشهادتها».

  • الهوامش

    [1] بحسب العقد الموحد الذي اعتمده الأردن في 2003 للتعاقد مع عمال وعاملات المنازل.

    [2] بحسب المادة 34/أ من قانون الإقامة وشؤون الأجانب رقم 24 لسنة 1973 وتعديلاته يلتزم العامل المهاجر بدفع مبلغ دينار ونصف عن كل يـوم يقيم فيه في الأردن دون إذن إقامة.

    [3] تم إصدار نظام رسوم تصاريح العمل لغير الأردنيين في 2019 ، واشتمل على قطاعات محددة تُستثنى منها عاملات المنازل الوافدات.