تعيش «جينا» وحدها في شقة صغيرة، ونادرًا ما تفتح نافذة غرفتها، أو تلقي التحية على الجيران. تضع سماعات الأذن في الذهاب والإياب، ولا تخلعها إلا لتضع سماعات العمل كي تستقبل شكاوى العملاء بخصوص بطاقاتهم الائتمانية، فيما تتلقى اتصالًا يوميًا من أحد العملاء الذي يطلب لنفسه بطاقة ائتمانية «تعمل في الماضي» مدعيًا بأنه اخترع آلة للعودة بالزمن.
يأخذنا الفيلم الكوري «الوحدانيون» (Aloners) في رحلة إلى «زمن الشركة»، أي الزمن الرأسمالي الذي تدور فيه حياة المرء حول العمل إلى حد إفشال حياته الاجتماعية كليًا. حيث تعيش جينا حياة مزدوجة، فهي أبرع من يتحدث للعملاء مما يجعلها «موظفة الشهر» الدائمة، لكنها عاجزة عن التواصل مع الآخرين خارج نطاق المكتب. تدمن جينا العمل إلى حد جعلها تكتفي بإجازة ليومين فقط عند وفاة والدتها، كما تدمن فيديوهات مدوني الطعام «الفود بلوجرز» التي تشاهدها أثناء تناول الغداء على الهاتف، وبرامج الطهي على التلفاز عند عودتها للمنزل.
تمثل مشاهد الطعام ثيمة أساسية على مدار الفيلم، حيث تُوضع جينا في مقارنة مع والدها المواظب على الاجتماع برفاقه في الكنيسة والمنزل ومشاركتهم العشاء إحياء لذكرى وفاة والدتها. يمثل تناول الطعام في الزمن الخاص بجينا حدثا آليًا محرومًا من أي خاصية تأملية أو اجتماعية، حيث نشاهد أفرادًا معزولين متراصين في مطعم للوجبات السريعة يلتهمون -بكل ما للكلمة من معاني العجلة والكرب- الطعام كي يعودوا للعمل. أمّا في الزمن الخاص بوالدها، نجد طقسًا مكتملًا يبدأ من طريقة الجلوس ويُستكمل عبر دردشات تستدعي ذكريات ونكات ومشاعر عدة يتبادلها الضيوف على مهل وكأنها شرط متمِم لتناول الطعام.
يتذوق والد جينا ورفاقه الحياة بتأنٍ، أما هي فتستهلكها وترميها دون أن تعي. يمر وقتها رتيبًا مكررًا، تتحرك فيه بين عدة نقاط وكأنها سلعة تتحرك على خط إنتاج، إلى أن يقع حادث يهز كيانها تدريجيًا ويدفعها للتفكير في نوعية الحياة التي تعيشها. ينتحر جارها في الشقة الملاصقة لشقتها وتُهمل جثته أسبوعًا كاملًا دون أن تدري حتى تكشفها الرائحة. تؤنبها مالكة الشقة: «مات جارك منذ أسبوع وأنتِ لم تعرفي شيئًا؟». لم تهتم المالكة هي الأخرى بحياة الجار من عدمها، وإنما بسمعة الشقة التي سيُعرِض عنها المستأجرون الآن خوفًا من روح الميت.
في مجتمع محكوم بالمال، تتحول فيه العلاقات بين البشر إلى علاقات بين أشياء، ووقت المرء إلى سلعة تملكها الشركة، لا تعرف جينا عن جارها سوى وجهه ولا تتأثر المالكة بالموت إلا بقدر تأثر إيجار شقتها. جميعهم يبحثون عن عزاء لوحدتهم في الأشياء، ويستبدلون البشر بالأغراض، والروابط الاجتماعية والعاطفية مع غيرهم من البشر بروابط عاطفية هشة مع ممتلكاتهم الشخصية، جينا مع شاشتها، والمالكة مع ثروتها، والجار المنتحر مع هرم المجلات الإباحية الذي وجدوه ساقطًا فوق جثته.
تَحول الوحدة دون فهم المرء لنفسه أو للآخرين، فسوء الفهم هو غذائها الذي يبقيها حية. يصبح الشخص الوحيد أسير أوهامه الخاصة، ويختلي بنفسه لتوسيع المسافة التي تفصله عن الآخرين.
تذهب براعة جينا في التحدث للعملاء هباء دون أن تحقق لها أي نوع من الإشباع، إذ يفترض بها معاملتهم كأشياء مثلما يفترض بهم الأمر نفسه حيالها. اختيار وظيفة «الكول سنتر» (call center) كان مثاليًا لأنه يجسد مثالًا فجًا على طبيعة العبودية الرأسمالية الحديثة: الموظف هنا أداة محايدة بلا شعور أو سمات شخصية مميزة، كيانه مِلك للشركة. أما إذا وُجدت المشاعر فمن الواجب عليه إدارتها وتحييدها بعيدًا عن العمل، فيما يوصف بـ«الاحترافية» أو «المهنية»، ليصير العامل شخصين: شخص بارد «موضوعي» أثناء العمل الذي يلتهم معظم يومه، وشخص آخر يمارس حياته كما يحب ويَكون ما يريد لنفسه في وقت فراغه. لكن سرعان ما يلتهم الأول الثاني، ليجد العامل نفسه مطالبًا بإدارة وتحييد مشاعره خارج العمل أيضًا كما داخله بغرض الحفاظ على اتزانه النفسي وتوفير طاقته النفسية للإنتاج. وسرعان ما يسيطر على وعيه الطنين الممل لسماعات الأذن الذي سيطر على وعي جينا، بدلًا من صخب الآلات الذي سيطر في الماضي على آذان عمال المصانع ولازمهم في وقت فراغهم.
هكذا، تعيش جينا كغيرها حالة من الركود العاطفي، حيث تتجنب الاختلاط أو توظيف طاقتها النفسية في بناء علاقات اجتماعية باعتبار ذلك «هدرًا» لقدرتها على العمل. فيُختزل وجودها في كونها «موظفة في شركة البطاقات الائتمانية»، بعد عزلها عن أسرتها وأصدقائها، وحيدةً تخدع نفسها عبر إقناعها بأنها تستمع بتلك الوحدة، قبل أن تنهار في النهاية وتعترف لـ«سوجين» الموظفة الجديدة التي كُلفت بتدريبها بأنها «لا تحب تناول الطعام ولا النوم ولا ركوب الحافلة ولا التدخين بمفردها» وأنها «تتظاهر بذلك» فحسب.
جاء هذا الاعتراف نتيجة الشرخ الذي أحدثته سوجين في وعي جينا المشوه عندما تجرأت الأولى على التعاطف مع العميل الذي يتوهم اختراعه لآلة الزمن، والذي طالما استخفت جينا به وصنفته بسهولة كمختل عقليًا، حين سألته سوجين بعفوية: «لماذا تريد العودة لعام 2002؟».
كاد العميل «المختل» يبكي فرحًا واندهاشًا لأن أحدهم اهتم بمعرفة سبب رغبته تلك، لنكتشف أنه لا يعاني من مرض عقلي بل من الوحدة ومن عدم انتباه الآخرين إليه، مثلما عانت سوجين من إعراض جينا عن مشاركتها الغداء وتكوين صداقة معها، ومثلما عانى والدها من إعراضها عن مشاركته الحزن على والدتها أو مساعدته في تخطي ذلك الحزن، ومثلما عانى جارها من تجاهله فقرر الموت.
يخبرها العميل: «بالطبع بسبب كأس العالم في كوريا واليابان»، فتخوض سوجين معه حوارًا إنسانيًا يُحطم العلاقة المشيَّأة لعدة دقائق، وتسأله «هل كان ممتعًا؟»، فيخبرها بأنه: «كان رائعًا حقًا. ارتدى الجميع قمصانًا حمراء وكانوا يغنون معًا. وهتفوا بانسجام كلما سجل المنتخب الكوري هدفًا، حتى الغرباء رقصوا وعانقوا بعضهم البعض، كان ذلك مذهلًا. أما الآن فالجميع مشغولون لكثرة الأشغال على ما أظن».
يتغذى العمل المأجور على الوحدة، لأن أفرادًا وحيدين ودون روابط اجتماعية وعاطفية قوية بمن حولهم يمثلون مادة سهلة للاستغلال. يصبح المرء أسير مسماه الوظيفي وتتحدد هويته بعمله حصرًا، ولا يعرف غير الشركة أبًا وجارًا وصديقًا.
تختلف العزلة عن الوحدة. يختار المرء الأولى بينما تُفرض عليه الثانية، يعتزل المرء الناس كي يتأمل نفسه أو يستمتع بنشاط خلاق، أو لمراجعة سلوكه وآرائه، حتى يعود إلى الناس بعد أن اكتسب مهارات جديدة وفَهم نفسه بما يكفي لتكوين علاقات قوية بهم. لذلك يُعد تأمل المرء لنفسه في العزلة عاملًا أساسيًا لفهم الآخرين والتواصل معهم.
في المقابل، تَحول الوحدة دون فهم المرء لنفسه أو للآخرين، فسوء الفهم هو غذائها الذي يبقيها حية. يصبح الشخص الوحيد أسير أوهامه الخاصة، ويختلي بنفسه لا ليعود إلى الآخرين أو يكتشف الوسائل التي تقربه إليهم وتقربهم إليهم، لكن لتوسيع المسافة التي تفصله عنهم. تعزز عبودية العمل المأجور من تلك العملية، إذ يتغذى العمل المأجور على الوحدة، لأن أفرادًا وحيدين ودون روابط اجتماعية وعاطفية قوية بمن حولهم يمثلون مادة سهلة للاستغلال. يصبح المرء أسير مسماه الوظيفي وتتحدد هويته بعمله حصرًا، ويحطم رأس المال جميع الروابط الممثلة بالعائلة والجيرة والصداقة، ليخلق أفرادًا لا يعرفون غير الشركة أبًا وجارًا وصديقًا.
يختار البعض مقاومة هذه العملية، مثل «هان» الساكن الجديد في شقة المنتحر، والذي يقرر إقامة عزاء للأخير رغم أنه لم يعرفه. يُحدث «هان» شرخًا جديدًا أعمق في زمن العمل المأجور وفي وعي جينا المشوه، إذ يختار إقامة رابطة شعورية مع شخص لا يجهله فحسب بل يستحيل أن يقابله حتى لكنه «يُعِد الطعام والنبيذ لتعزية روحه».
يجتمع المعزون أمام صورة الميت ويشعلون له الشموع. يصير الميت حيًا في ذاكرة الأحياء، ويصير الأحياء خالدين إذ يختبرون الحياة ويتحملون الموت معًا، خالدين في الوحدة (Unity) المشتركة التي تجمعهم بدلًا من الوحدة (Loneliness) التي تقتلهم وهم أحياء.