تكنولوجيا

كيف يتحدث غير الناطقين بالإنجليزية مع «تشات جي بي تي»؟

هل تزيد تطبيقات الذكاء الاصطناعي من سطوة اللغة الإنجليزية في المجالات التكنولوجية؟ مقال مناف زيتون.
كيف يتحدث غير الناطقين بالإنجليزية مع «تشات جي بي تي»؟
18 حزيران 2024
تكنولوجيا

كيف يتحدث غير الناطقين بالإنجليزية مع «تشات جي بي تي»؟

هل تزيد تطبيقات الذكاء الاصطناعي من سطوة اللغة الإنجليزية في المجالات التكنولوجية؟ مقال مناف زيتون.
18 حزيران 2024

لا يبدو أن الحماسة للذكاء الاصطناعي ستخبو قريبًا، فكل يوم تظهر تطوّرات جديدة تسلط الضوء على قدرات مختلف أدواته، والاستخدامات الكثيرة الممكنة لتوظيفه في خدمة مختلف الأغراض التجارية والإبداعية.

من المهارات الجديدة التي يبدو أنها باتت مفصلية للاستفادة من هذه الأدوات معرفة كيفية «التحدث» معها للحصول على النتائج المرجوة. والقاعدة الأولى التي يبدو أنها الأهم، وإن كانت لا تُذكر صراحةً، هي أن تتكلم الإنجليزية. ولكن ما سبب هذه الحاجة لاستخدام اللغة الإنجليزية؟ ما الذي سيختلف إن استخدمت لغات أخرى؟ وما أثر ذلك على غير المتحدثين بالإنجليزية؟

الذكاء الاصطناعي «اللغوي»

الذكاء الاصطناعي الذي حقق الخروقات الملحوظة مؤخرًا، وأطلق الضجة الإعلامية والتطبيقات الواسعة الجديدة، هو ما يعرف باسم «النماذج اللغوية الكبيرة»، ومن أبرزها «تشات جي بي تي» الذي بات غنيًا عن التعريف. 

الغاية الأساسية من هذه النماذج تقليد الذكاء البشري، وتقوم بذلك عبر استخدام نماذج إحصائية لتحليل كميات كبيرة من البيانات النصية خصوصًا، وإيجاد الأنماط والروابط بين مختلف الكلمات والعبارات، وتوظيفها في إنشاء محتوى لغوي يكون أقرب ما أمكن للمحتوى الناشئ عن جهد بشري. ويتم تدريب هذه النماذج عبر تزويدها بكمية هائلة من البيانات مثل المقالات والكتب والأبحاث ومختلف أنواع النصوص.

كما يواصل هذا النوع من الذكاء الاصطناعي التعلّم من ردود أفعال مستخدميه، أي أنه يطبّق ذات التحليل الذي استخدمه مع ما تلقاه من بيانات على مخرجاته هو نفسه، ويستخدم أجوبة أو اعتراضات مستخدميه لتصفية المحاولات الناجحة واعتماد أنماطها، مع استبعاد المحاولات الفاشلة واستبعاد أو تقليل الاعتماد على أنماطها.

اللغة عنصر مفصلي في كيفية عمل هذه النماذج، سواءً أكانت اللغة التي يتلقى بها بياناته أو اللغة التي يقدّم بها مخرجاته. وعند النظر لهذا الجانب، فمن الواضح وجود هيمنة شبه كلية للغة الإنجليزية.

إذًا، فاللغة عنصر مفصلي في كيفية عمل هذه النماذج، سواءً أكانت اللغة التي يتلقى بها بياناته أو اللغة التي يقدّم بها مخرجاته. وعند النظر لهذا الجانب، فمن الواضح وجود هيمنة شبه كلية للغة الإنجليزية، مردّها سببين أساسيين، أولهما أن معظم الشركات البارزة في تطوير النماذج اللغوية الكبيرة شركات أمريكية، مثل «أوبن إيه آي» (OpenAI) و«ألفابيت» (الشركة الأم لغوغل) و«أنثروبيك» (Anthropic) و«ميتا» (الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام وواتساب)، مع استثناءات قليلة مثل «كوهير» (Cohere) الكندية، ما يؤدي لأداء معظم عمليات التطوير والاختبار باللغة الإنجليزية.

إضافة لذلك، فإن الإنجليزية مهيمنة أصلًا في مجالات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فالإنجليزية هي اللغة المستخدمة في 50.1% من المواقع الإلكترونية، التي تعتبر العمود الفقري للبيانات المستخدمة لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة، مقابل 5.8% للإسبانية أقرب منافسيها، و0.6% فقط للغة العربية، وفقًا لأرقام W3Tech حتى بداية حزيران 2024. كما أن الأبحاث العلمية المجراة على المجالات التكنولوجية المرتبطة باللغات تتناول اللغة الإنجليزية بشكل مفرط مقابل اللغات الأخرى، إذ تتناول 311 دراسة اللغة الإنجليزية مقابل 27 للغة الألمانية أقرب منافسيها وفقًا لملخصات الأبحاث المنشورة من «جمعية اللغويات الحاسوبية» (Association for Computational Linguistics).

ذكاء اصطناعي إنجليزي أمريكي

تشير بطاقة نظام «تشات جي بي تي»، وهي نوع من الوثائق التي تصدرها شركات الذكاء الاصطناعي لتشرح فيها بشكل مبسط كيفية تطوير وعمل وهيكلية أنظمتها، إلى أن الشركة عملت على «جعل النموذج أكثر أمانًا (مثلًا عبر رفض الطلبات المؤذية) وتحسين أنظمة الأمان الداخلية (مثلًا عبر ضمان قدرتنا على رصد الأطراف المسيئة) وتحسين تجربة المستخدمين مع النموذج (مثلًا عبر تخفيض مخاطر الاعتماد المفرط)».

ولكن في نهاية الفقرة، هناك إشارة لملحوظة في الهامش تقول إن إجراءات ومعايير الوقاية تم «تصميمها وبناؤها واختبارها بشكل أساسي باللغة الإنجليزية مع وجهة نظر أمريكية مركزية»، وتضيف ذات الملحوظة أنه في حين يوجد دليل على أن هذه الإجراءات قابلة للتعميم على اللغات الأخرى، إلا إنه «لم يتم اختبارها بشكل كبير للأداء متعدد اللغات».

إذًا، فالنقص الذي يعاني منه «تشات جي بي تي» بالنسبة للغات «الأجنبية» لا يكمن فقط في كمية المدخلات التي حصل عليها باللغة الإنجليزية، إنما في كيفية تصميمه واختباره للتعامل مع اللغة، أو ما يعرف باسم «معالجة اللغة الطبيعية» (Natural Language Processing)، ويقصد باللغة الطبيعية هنا اللغة التي نتكلمها كبشر، مقارنة بلغات البرمجة القائمة على التعليمات والعلاقات الرياضية والمنطقية بين مختلف العناصر.

نشر عدة باحثين من جامعة أوريغون الأمريكية في شهر نيسان الماضي نتائج تقييمهم لأداء «تشات جي بي تي» مع اللغات غير الإنجليزية، واختبروا في هذا البحث قدرة «تشات جي بي تي» على أداء سبع مهام أساسية في معالجة اللغة الطبيعية، مثل تحديد أقسام الكلام (Part-of-Speech Tagging)، أي التمييز مثلًا بين الاسم والفعل والصفة، وتمييز الكيانات المسماة (Named Entity Recognition)، أي التمييز مثلًا بين أسماء الأشخاص وأسماء الشركات وأسماء الأعمال الإبداعية. وطبقت هذه الاختبارات على 37 لغة صنفت مسبقًا بحسب حجم الموارد المتوفرة بها.

النقص الذي يعاني منه «تشات جي بي تي» بالنسبة للغات «الأجنبية» لا يكمن فقط في كمية المدخلات التي حصل عليها باللغة الإنجليزية، إنما في كيفية تصميمه واختباره للتعامل مع اللغة، أو ما يعرف باسم «معالجة اللغة الطبيعية».

من أبرز ما أظهرته هذه الدراسة أن أداء «تشات جي بي تي» يتراجع بشكل واضح مع اللغات غير الإنجليزية، حيث بلغ نجاحه مثلًا في تلخيص النصوص بنجاح من المحاولة الأولى 21.38% بالنسبة للإنجليزية، مقابل 15.6% للروسية و11.65% للصينية المصنفتين ضمن اللغات ذات الموارد المرتفعة، و15.58% للتركية و4.28% للهندية المصنفتين ضمن اللغات ذات الموارد المتوسطة.

كما تظهر هذه الدراسة أن أداء «تشات جي بي تي» أسوأ من نماذج سابقة مخصصة لأداء كل واحدة من المهام التي اختبرت على حدة. مثلًا، حين قورنت نتائجه بالنسبة لتمييز الكيانات المسماة مع نموذج «دامو» (DAMO)، انخفضت نسبة النجاح من 91.2% إلى 37.2% بالنسبة للغة الإنجليزية، ومن 81.7% إلى 19.8% بالنسبة للغة الصينية.

لكن النتيجة الأهم والأكثر تأثيرًا على مدى جدوى الاعتماد على «تشات جي بي تي» باللغات غير الإنجليزية هي أنه يقدّم نتائج أفضل حين يقدم الطلب أو السؤال باللغة الإنجليزية، حيث قام الباحثون بإجراء ذات الاختبار لكل لغة مرتين؛ مرة شرح الطلب باللغة نفسها ومرة ثانية باللغة الإنجليزية وإن كانت المخرجات المطلوبة والنصوص المطلوب تحليلها باللغة الأجنبية.

Open banner link

ومن أبرز المواضع التي ظهر فيها هذا الفارق اختبار إجابة الأسئلة (Question Answering)، أي قدرته على استنباط إجابة سؤال محدد من مدخلات نصية مقدمة له مسبقًا، فعند تقديم الأسئلة باللغة الإنجليزية قدّم نتائج أفضل من حالة تقديمها باللغة الأجنبية نفسها، رغم أن الإجابة والمدخلات التي عليه استنباط الإجابة منها مقدّمة باللغة الأجنبية أيضًا. فمثلًا في حالة الأسئلة التي توجد إجاباتها باللغة العربية، قدّم إجابات دقيقة بنسبة 55.3% (المنخفضة أصلًا) عند سؤاله بالإنجليزية، مقابل 22.3% عند سؤاله بالعربية، وذات النسبة تنخفض بشكل هائل مع اللغة الهندية من 48.8% إلى 5.6% فقط.

المحرّك الذكاء-اصطناعي للنمو

بدأ استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يحقق انتشارًا واسعًا من الآن في العديد من المجالات في الشركات الأمريكية والغربية عمومًا. بحسب استبيان أجرته «غيت هاب» (GitHub) على 500 مطوّر برمجيات مقيم في الولايات المتحدة، فإن 92% من المطوّرين يستخدمون أدوات ذكاء اصطناعي في عملهم، و51% منهم يرون أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يجعلهم قادرين على التركيز على البناء والإبداع بدلًا من إنفاق الوقت على المهام المكررة. كما أظهرت نتائج اختبار أجري على 70 مبرمجًا أن المبرمجين الذين يستخدمون أداة «غيت هاب كوبايلوت» (GitHub Copilot) يصبحون أكثر إنتاجية بنسبة 126%.  

وليس تطوير البرمجيات المهنة الوحيدة التي بدأت بالاستفادة من الذكاء الاصطناعي، إذ يبدو أن خدمة العملاء ستصبح أكثر سهولة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، حيث تشير تجربة مجراة لصالح «المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية» في كامبريدج الأمريكية إلى أن موظفي دعم العملاء الذين استعانوا بالذكاء الاصطناعي يستطيعون معالجة طلبات أكثر بنسبة 13.8% من الموظفين الذي استخدموا الأساليب التقليدية، وهي نسبة مرتفعة نظرًا للتكلفة المرتفعة التي تتكبدها مختلف شركات الخدمات سنويًا لتشغيل مراكز الاتصال وخدمة العملاء لديها، وتحاول تخفيضها بشتى الأساليب، مثل الاعتماد على موظفين في دول ذات مستوى دخل أقل، أو دمج روبوتات الدردشة في تطبيقاتها لتخفيف الحاجة للموظفين.

عند مقاطعة هذه النتائج الخاصة بزيادة الإنتاجية مع ما توصل له الباحثون في جامعة أوريغون عن تراجع أداء «تشات جي بي تي» عند الحديث معه بغير الإنجليزية، سنجد أن من يريد استخدام النماذج اللغوية الكبيرة اليوم ليزيد من إنتاجيته أو يكون لديه عمل أصلًا، أو يخفض من التكاليف في حالة الشركات، سيكون عليه أن يتقن اللغة الإنجليزية لضمان تحقيق أفضل النتائج، حتى وإن كان المحتوى المكتوب الذي يود الحصول عليه بلغة أخرى. ولا يكفي إتقان أساسيات اللغة كما هي الحال في الكثير من المهن اليوم، فأي خطأ صغير في توصيف الطلب الموجه للنموذج اللغوي الكبير قد يغير الإجابة بالكامل، ويتسبب بالكثير من الأخطاء.

هذا الأمر من شأنه مثلًا تهديد وظائف ملايين المبرمجين حول العالم، خصوصًا المقيمين في الدول الفقيرة غير المتحدثة بالإنجليزية وذات الأنظمة التعليمية المتواضعة، مثل الهند التي تحتوي أكثر من 5.8 مليون مبرمج، والبرازيل التي تحتوي أكثر من 500 ألف مبرمج بحسب أرقام «مؤسسة إيفانز للبيانات» (Evans Data Corporation).

والأمر لا يقتصر على وظائف تطوير البرمجيات فقط، فقد بدأنا نرى توظيف مختلف نماذج الذكاء الاصطناعي القائمة على تقديم الطلبات النصية في مختلف المجالات، مثل التصميم الغرافيكي، خصوصًا بعد بدء برنامج «فوتوشوب» الأكثر انتشارًا بين المصممين إدراج ميزات مختلفة قائمة على الذكاء الاصطناعي، والتي تتطلب تقديم الأوامر باستخدام النصوص، ما يعني أنه سيكون على المصممين الغرافيكيين -غير المطالبين عادة بإتقان أي لغة بطلاقة- إتقان اللغة الإنجليزية، وإلا سيكونون متأخرين عن أقرانهم، وبالتالي أقل قدرة على المنافسة على فرص العمل.

إضافة لذلك، فإن الشركات المستقرة في الدول المتحدثة بالإنجليزية، وبالتالي الأقدر على توظيف من يتحدثونها بطلاقة، ستكون أكثر قدرة على تقديم منتجاتها البرمجية خصوصًا بشكل أسرع من بقية الشركات في العالم. 

سباق جديد مع الزمن

إذا استمر منحى تطور الذكاء الاصطناعي بشكله الحالي، سنجد الاقتصاد العالمي قريبًا في وضعية مشابهة إلى حد كبير للتحول الصناعي الذي شهده الغرب ابتداءً من بداية القرن التاسع عشر، بعد عدة اختراعات مهمّة على رأسها المحرك البخاري، وأدّى لما يعرف اليوم باسم «التباعد الكبير» أو «المعجزة الأوروبية»، والذي ترتب عليه الفارق الاقتصادي الهائل حتى يومنا هذا بين الدول الأوروبية -والولايات المتحدة لاحقًا- وبقية دول العالم، بفضل قدرة الأوروبيين على تحقيق مستويات إنتاجية غير مسبوقة، أدّت تدريجيًا إلى القضاء على الصناعات المختلفة في الدول الأخرى لعجزها عن المنافسة. 

قد لا يكون الفارق بالحجم الذي كان عليه في القرن التاسع عشر، خصوصًا مع صعود عدة اقتصادات غير أوروبية مثل الصين والبرازيل واليابان، والتقسيم هذه المرة سيكون على أساسٍ لغوي أكثر منه جغرافي، وسيصيب خصوصًا اللغات ذات المحتوى الرقمي الأقل، أو ذات الاختلافات البنيوية الكبيرة عن اللغة الإنجليزية خصوصًا واللغات الأوروبية عمومًا.

هناك الكثير من التحديات التي تنتظر غير الناطقين بالإنجليزية عند التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، أولها يتمثل في صعوبة تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متعددة اللغات، والتي يرى تقرير لمركز الديمقراطية والتكنولوجيا (CDT) أنها تعود لاعتماد النماذج اللغوية متعددة اللغات عادة على النصوص المترجمة آليًا بما فيها من أخطاء قد تكون كارثية، وعجزها عن فهم السياقات الضرورية لفهم اللغات المحلية، وصعوبة رصد العيوب والمشاكل في هذه النماذج وإصلاحها، ما يعني أنه لا بد من تطوير نماذج لغوية كبيرة خاصة بكل لغة على حدة تقريبًا للاستفادة القصوى من قدرات هذه التكنولوجيا الجديدة.

المجتمعات غير المتحدثة بالإنجليزية أمام خيارين أساسيين، أولهما تحديث مناهجها الدراسية لتعزيز تعلم اللغة الإنجليزية، ما قد يستغرق عقودًا ستكون تأخرتْ خلالها بما يكفي ليفوتها الركب إضافة للتسبب بالمزيد من الإهمال والتهميش للغاتها المحلية والمتحدثين بها، وثانيهما تطوير نماذج ذكاء اصطناعي لغوية أساسية أو فرعية قادرة على معالجة لغاتها المحلية، الأمر الذي سيضطرها إما للاعتماد في نواتها على النماذج الإنجليزية الموجودة حاليًا، أو إعادة اختراع عجلة النماذج اللغوية الكبيرة.

على مستوى الوطن العربي هناك محاولات للتخفيف من أضرار هذا الطابع المركزي للذكاء الاصطناعي، حيث انتشرتْ مؤخرًا أنباء عن شراء السعودية لأكثر من ثلاثة آلاف شريحة H100 المتخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي لصالح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، الأمر الذي يتوافق مع إعلان السعودية في عدة مناسبات عن نيتها استثمار 80 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي مع تأهيل أكثر من 25 ألف متخصص حتى عام 2030.

قد تكون سرعة تطوّر الابتكارات التكنولوجية الأخيرة مصدر ضغطٍ للإسراع في سد الثغرات الكفيلة بالتسبب بالمزيد من التأخر الاقتصادي، ولكن هذه السرعة نفسها قد تكون عاملًا يساعد على ترميم هذه الثغرات باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه.

كما ورد اسم الإمارات في ذات الأنباء الخاصة بشراء آلاف شرائح H100، وذلك لصالح «معهد الابتكار التكنولوجي» الذي طوّر نموذج «فالكون 40 بي» (Falcon 40B)، المصنّف كأفضل نموذج لغوي كبير مفتوح المصدر من قبل «هاغينغ فيس» (HuggingFace)، ولكن هذا النموذج يدعم بشكل أساسي اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، مع دعم محدود للغات الإيطالية والبولندية والهولندية والرومانية والتشيكية والسويدية، ولكنه لا يدعم اللغة العربية.

رغم ذلك، فإن معهد الابتكار التكنولوجي يعد بأنه قريبًا سيوفّر «نور» (NOOR)، أول نموذج لغوي كبير للغة العربية، ولكنه «في مرحلته الحالية لا يزال أصغر بما يقارب 100 مرة من النماذج المطورة باللغتين الإنجليزية والصينية»، وفقًا لما يرد في الصفحة الرسمية للنموذج، كما أنه مختص باللغة العربية الفصحى. هذا النموذج يعد بأنه سيصبح بعد تطويره «نموذج الاستكشاف الأوسع استخدامًا في الأوساط الأكاديمية والأعمال التجارية الناطقة باللغة العربية. كما سيضم قدرات كبيرة تتجاوز إطار اللغة، مثل كتابة الرموز البرمجية».

المنحى الذي اتخذه تطوّر الذكاء الاصطناعي جعل مهمّة الاعتناء باللغات المحلية ضرورة اقتصادية مصيرية، بعد أن عوملت لسنوات طويلة كرفاهية وترف ثقافي لا أكثر، مع إهمال خطوات مهمّة مثل توفير أحدث التطورات والأبحاث العلمية بهذه اللغات، وتحديث المناهج التعليمية، وغيرها من الجوانب الكفيلة بتمكين المتحدثين بهذه اللغات من تحقيق تطوّر ملموس على مختلف المستويات بدون الحاجة للغات الأجنبية.

قد تكون سرعة تطوّر الابتكارات التكنولوجية الأخيرة مصدر ضغطٍ للإسراع في سد الثغرات الكفيلة بالتسبب بالمزيد من التأخر الاقتصادي، ولكن هذه السرعة نفسها قد تكون عاملًا يساعد على ترميم هذه الثغرات باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه. بكل الأحوال، فإن النقطة الحاسمة هي بدء الجهود اللازمة في أقرب وقتٍ ممكن، فمع كل تأخير تتضاعف المسافة التي سيكون على المجتمعات والأفراد غير المتحدثين بالإنجليزية قطعها ليلحقوا بركب الاقتصاد العالمي.