سياسة

«كارثة على جبهتين»: أوروبا الحائرة أمام الحرب على إيران

كشفت الحرب على إيران بمزيد من الوضوح عن خطوط صدع كامنة في الموقف الأوروبي، أبرزها الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي والارتباط العضوي بالاستراتيجية الأمريكية دون امتلاك قرار سيادي مستقل.
«كارثة على جبهتين»: أوروبا الحائرة أمام الحرب على إيران
31 آذار 2026
سياسة

«كارثة على جبهتين»: أوروبا الحائرة أمام الحرب على إيران

كشفت الحرب على إيران بمزيد من الوضوح عن خطوط صدع كامنة في الموقف الأوروبي، أبرزها الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي والارتباط العضوي بالاستراتيجية الأمريكية دون امتلاك قرار سيادي مستقل.
31 آذار 2026

يُشبّه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي، بيار شاربونييه، الصدوع الجيوسياسية الطارئة بـ«ضربة المزهرية الكريستالية»؛ فهي تنكسر دائمًا على طول خطوط صدعٍ خفية تكشفها قوة الضربة، حيث تبقى مواطن الضعف كامنةً تنتظر أن تُكشف. وينطبق الأمر نفسه على الأزمات الجيوسياسية، كتلك التي تجري حاليًا في إيران، إذ بات من الممكن الآن فهم كيف تُعيد الحرب هناك تعريف العلاقة بين الطاقة والسلطة، وبين أمريكا وأوروبا.

وعندما تشققت هذه المزهرية، ظهر بوضوحٍ مدى اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بعد انقطاع الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب في عام 2022. كما تبيّن أن «تحالف الطاقة» الهش الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي مع واشنطن -والذي رسّخ عمليات شراء واسعة للغاز الأمريكي والاستثمارات المرتبطة بالطاقة- قد ربط فعليًا خيارات الأمن والطاقة الأوروبية بالاستراتيجية الأمريكية.

وقد أدت الضربات على المنشآت الإيرانية، وتداعيات أزمة مضيق هرمز، وتجدد تقلبات أسعار النفط والغاز العالمية، إلى زعزعة هذا النظام وكشفت مدى هشاشته. حدث كل ذلك في الوقت الذي تُركت فيه أوروبا على الهامش، حيث لم يستشرها حلفاؤها قبل الشروع في الحرب.

تبدو هذه الحرب اختبار ضغط يكشف عن تصدعات كامنة بين أمن الطاقة الأوروبي وسيادته، وبين هيمنة أمريكا العسكرية والطاقية وطموح أوروبا في العمل كفاعل جيوسياسي مستقل. فضلًا عن تداعياتها الكارثية -من وجهة نظر أوروبية- على الصراع في أوكرانيا، من خلال تغيير مسار المساعدات العسكرية الغربية، وتشتيت الانتباه الاستراتيجي الأمريكي، وإعادة تشكيل ميزان الضغط العالمي على روسيا. لذلك فإن ابتعاد أوروبا الفعلي عن الحرب -حتى الآن على الأقل- لا يعكس معارضة مبدئية، بل مجموعة معقدة من الحسابات الاستراتيجية وحيرةً وهشاشة بنيوية.

أوروبا المنقسمة

كان أبرز ما ميز رد فعل أوروبا على اندلاع الأعمال العدائية ضد إيران هو انقسامها العميق. فبدل استجابة موحدة، ظهر تباين في المواقف بين الدول، تراوح بين التأييد الحذر والإدانة القانونية الصريحة. تبنت بريطانيا موقفًا غامضًا، فاختارت الجمع بين انتقاد النظام الإيراني والدعوات إلى خفض التصعيد. وأكد رئيس الوزراء كير ستارمر أن بلاده لم تشارك في الضربات، وقيدت في البداية استخدام الولايات المتحدة لقاعدتها العسكرية في دييغو غارسيا بجزر تشاغوس. إلا أن لندن أكدت لاحقًا أن بإمكان القوات الأمريكية استخدام قاعدتها للدفاع عن حلفائها الإقليميين وتوفير الأمن لـ«إسرائيل». فيما اتجهت فرنسا نحو انتقادات قانونية أكثر وضوحًا، وحذر الرئيس ماكرون من أن العمل العسكري الذي يتم خارج نطاق القانون الدولي يهدد بتقويض الاستقرار العالمي، ودعا إلى إجراء مناقشات طارئة في الأمم المتحدة.

على النقيض تمامًا، كان موقف إسبانيا الأكثر وضوحًا. فقد صرّح رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز، بأن الهجوم على إيران يقوّض مبدأً أساسيًا من مبادئ النظام الدولي، وقال إن إسبانيا ترفض «العمل العسكري أحادي الجانب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي يُمثّل تصعيدًا ويُساهم في خلق نظام دولي أكثر اضطرابًا وعداءً». أما البيان الرسمي للاتحاد الأوروبي، فقد دعا إلى أقصى درجات ضبط النفس، وحماية المدنيين، والاحترام الكامل للقانون الدولي، بما في ذلك مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني. وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن الهدف النهائي يجب أن يكون «انتقالًا موثوقًا» داخل النظام السياسي الإيراني، بدل حرب لتغيير النظام على النمط الأمريكي.

ومع ذلك، ظلت الفجوة واسعة بين الخطاب الرسمي للاتحاد الأوروبي ومواقف الدول المتباينة. فبينما اتفقت دول أوروبا على إدانة الضربات الإيرانية على دول الخليج، اتسمت مواقفها بالارتباك والتناقض ردًا على العمل الأمريكي الإسرائيلي الذي أدى إليها. وتكشف هذه الردود مجتمعةً عن أن أوروبا لا تزال منقسمة بشدة حول مسائل التدخل العسكري واستخدام القوة. إلا أن غياب رد فعل أوروبي موحد يعكس أيضًا حقيقة أساسية مفادها أن أوروبا لا تتمتع بثقل استراتيجي في الصراع نفسه، وتواجه علاقة متوترة بشكل متزايد مع حليفها الأهم الولايات المتحدة.

اختبار المشاركة

تزامنت الحرب على إيران مع محاولات أوروبا لترجمة مفهومها -الذي طال نقاشه- حول «الاستقلال الاستراتيجي» إلى واقع عملي، مما أجبرها على الموازنة بين مصالحها الخاصة وتوافقها مع الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، أثارت الضربات الإيرانية على دول الخليج شكوكًا حول القيمة الوقائية للقواعد العسكرية الأمريكية، وهو تطورٌ من شأنه أن يؤثر على التفكير الأوروبي بشأن الدفاع. وبينما أعلنت معظم الدول أنها لن تشارك أو تسهل أي عمل هجومي أمريكي انطلاقًا من أراضيها أو قواعدها، خففت بعض الدول من مواقفها وسمحت للولايات المتحدة باستخدام قواعدها لأغراض دفاعية.

وفي هذا السياق، انخرطت فرنسا وبريطانيا بشكل أكثر نشاطًا في الصراع، رغم أنهما وصفتا أفعالهما بأنها دفاعية بحتة. وهذا الأمر غير مفاجئ، لكونهما الدولتين الأوروبيتين اللتين تمتلكان قواعد عسكرية في الخليج وتربطهما علاقات دفاعية عميقة مع دول المنطقة؛ أمّا بقية الدول والاتحاد الأوروبي نفسه فلا يمتلكون نظام دفاعٍ متكامل قادر على التدخل الخارجي واسع النطاق.

لذلك صرّح العديد من القادة الأوروبيين بوضوح بأن الصراع الإيراني يقع خارج نطاق آليات الدفاع الجماعي مثل حلف شمال الأطلسي، مما يعكس اتفاقًا أوروبيًا أوسع على أن هذا الصراع لا يستدعي التزامات التحالف. فضلًا عن أن الحرب شُنّت دون استشارة أوروبية، في انتهاكٍ لمعايير التنسيق بين الحلفاء التي تُشكّل أساس شرعية الحلف. وقد أدى ذلك إلى عجزٍ في الشرعية يجعل المشاركة السياسية الفعّالة مستحيلة في معظم العواصم الأوروبية، وهو ما يجعل الامتناع عن المشاركة الهجومية شكلًا من أشكال الاستقلال الاستراتيجي. أي أن هذا الامتناع لا يقتصر على كونه استجابة لنفور الناخبين الأوروبيين من الانخراط في المزيد من الصراعات في الشرق الأوسط، وإنما يمثّل أيضًا اختبارًا لمدى الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. فإذا عُرِّف الاستقلال الاستراتيجي بأنه العمل باستقلالية وبما يخدم مصالح القارة الخاصة، فإن عدم الانخراط في العمليات الهجومية يتماشى مع هذا التعريف. وفي الوقت نفسه، ربما يفسر هذا الاستقلال الاستراتيجي بسعي أوروبا لحماية قواعدها العسكرية الخارجية والوفاء بالتزاماتها الدفاعية مع حلفائها في الشرق الأوسط.

Open banner link

لكن هذا الوعد المتعثر بالاستقلال الاستراتيجي، والذي جرى التلويح به لأول مرة بعد انتهاك الولايات المتحدة للاتفاق النووي مع إيران عام 2018، قد قلص من نفوذ أوروبا المباشر ومصداقيتها لدى كل من واشنطن وطهران. ويمكن رصد هذا الصدع من خلال الحالة الألمانية، فرغم دعم برلين المطلق لـ«إسرائيل»، ودعمها إسقاط النظام في طهران، إلا أن الرئيس الألماني فرانك- فالتر شتاينماير يرى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تُشكل انتهاكًا للقانون الدولي، مُقدمًا بذلك أقوى إدانة لحرب ترامب من حليف غربي رئيسي حتى الآن. وتُشير تصريحاته إلى تحول من الدبلوماسية الحذرة إلى النقد المباشر، وهو أمر نادر الحدوث في العلاقات الألمانية الأمريكية. لكن تصريحات شتاينماير تعكس أيضاً تزايد الإحباط في أوروبا إزاء الإجراءات الأمريكية الأحادية وتداعياتها العالمية.

لكن ما يفسر موقف أوروبا بشكل كامل ليس أي عامل واحد، بل تفاعل العديد من القيود التي تعمل في وقت واحد والتي تقلص من هامش اتخاذ إجراءات حاسمة للتدخل في الصراع. من ناحية الرأي العام أولًا، حيث تحظى الحرب بشعبية متدنية للغاية، ويشعر الكثيرون بالقلق إزاء تدفقات اللاجئين التي قد تنجم عن صراع آخر في الشرق الأوسط، فضلًا عن النفور العام من العمل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بعد غزو العراق عام 2003. تُلقي سابقة العراق بظلالها على النقاش، فقد شهدت المنطقة صراعاتٍ كبيرة في القرن الماضي، بما في ذلك الحروب في أفغانستان والعراق وليبيا، والتدخل الأجنبي في إيران نفسها قبل الثورة الإسلامية عام 1979، وجميعها دخلتها أوروبا كتابعٍ لأمريكا ودفعت ثمنها من أمنها ومصالحها الإستراتيجية.

نقطة الضعف الطاقية 

لم يؤثر أي عامل على الحسابات الأوروبية في هذه الحرب أكثر من أزمة الطاقة. فقد تسبب إغلاق مضيق هرمز في أشد صدمة في إمدادات الطاقة العالمية منذ سبعينيات القرن الماضي. يُعدّ الغاز الطبيعي المسال نقطة الضعف الأبرز في أوروبا. فإذا ما انخفضت تدفقاته عبر مضيق هرمز، سيتقلص المعروض العالمي منه بشكل فوري، وستضطر أوروبا حينها إلى التنافس مع المشترين الآسيويين على الشحنات في السوق، وهو ما شهدناه خلال أزمة الطاقة بين عامي 2021 و2023. وسيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الغاز في القارة، لا سيما وأن أوروبا بدأت عام 2026 بمستويات تخزين غاز أقل بكثير من السنوات الأخيرة. وكان تأثير ذلك على المستهلكين الأوروبيين سريعًا وشديدًا، فقد قفزت أسعار الغاز الطبيعي في القارة بنسبة 60%. وكان ارتفاع أسعار البنزين والديزل في محطات الوقود الأوروبية لافتًا، حيث تجاوزت الأسعار 2 يورو للتر الواحد في ألمانيا.

على عكس الصدمة الروسية عام 2022، ستكون الأزمة الحالية -وفقًا لأغلب التحليلات الاقتصادية- أكثر صعوبة في استيعابها. فقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 قدرة نظام الطاقة العالمي على استيعاب صدمات الأسعار من خلال إعادة توجيه الإمدادات واستبدالها. في المقابل، فإن الإغلاق المستمر لمضيق هرمز لا يعيق طرق التجارة فحسب، بل يعيق أيضًا قدرة المنتجين على التصدير، ما يدفع الأسواق إلى تجاوز آليات التكيف، وصولًا إلى انهيار الطلب قسرًا وإعادة تشكيل هيكلها. وقد حذر البنك المركزي الأوروبي من أن استمرار الصراع لفترة طويلة من المرجح أن يؤدي إلى فترة من الركود التضخمي، ويدفع الاقتصادات الكبرى المعتمدة على الطاقة بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا إلى ركود تقني بحلول نهاية عام 2026. واستجابةً لذلك، سارعت الحكومات الأوروبية إلى إعلان تدابير طارئة. وأصبحت سلوفينيا أول دولة في أوروبا تُطبّق نظام تقنين الوقود، بينما وافقت إسبانيا على حزمة مساعدات بقيمة خمسة مليارات يورو، شملت تخفيضات ضريبية على الكهرباء والغاز، بالإضافة إلى دعم لشركات النقل والمزارعين وشراء الأسمدة.

تُفسّر أزمة الطاقة جزئيًا سبب تحرك الحكومات الأوروبية -رغم تحفظاتها السياسية بشأن الحرب- للالتزام بتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز. وقد عبر قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا عن «استعدادهم للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق». ما يكشف عن توتر جوهري في موقف أوروبا، بين محاولة عدم التورط في الحرب، وفي الوقت نفسه عدم السماح ببقاء مضيق هرمز مغلقًا. وهكذا، ربما تدفع حسابات الطاقة أوروبا تدريجيًا إلى فلك الصراع، حتى مع احتفاظ حكوماتها رسميًا بنأيها عن الحملة الهجومية.

كارثة استراتيجية على جبهتين

بالنسبة لصناع القرار الأوروبيين، جاءت الحرب على إيران في أسوأ توقيت ممكن. فقد أدت إلى ظهور جبهة ثانية منافسة، في الوقت الذي كانت تعمل فيه على ترسيخ استقلالها الاستراتيجي في دعم أوكرانيا. وكانت عواقبها على الصراع في أوكرانيا فورية وربما تكون مدمرةً أيضًا على المدى المتوسط. فقد صرفت الحرب الإيرانية الانتباه العالمي عن الحرب الأوكرانية، في الوقت الذي يدخل فيه أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية عامه الخامس، وتحقق روسيا تقدمًا على الجبهة. وقد أدى تحويل موارد الدفاع الجوي الأمريكية إلى أزمة فورية وملموسة لأوكرانيا. حيث نُقلت صواريخ باتريوت الأمريكية للدفاع الجوي من أوروبا إلى الشرق الأوسط، في الوقت الذي تُعيد فيه واشنطن توجيه مواردها إلى حربها ضد إيران. وحذّر الرئيس الأوكراني من أن كييف ستواجه بالتأكيد نقصًا في منظومات باتريوت بسبب الحرب ضد إيران. وأقرّ مسؤولون أوروبيون الأسبوع الماضي بأنّ تزايد الضغط على أوكرانيا للحصول على أنظمة دفاع جوي نتيجةً للحرب مع إيران سيُعقّد التزامهم بتزويدها بهذه الأسلحة. وقد تصاعدت المخاوف في العواصم الأوروبية، وكذلك بين بعض أعضاء الكونغرس المؤيدين لأوكرانيا، من أن تستغل روسيا ضعف الدفاع الجوي لتحقق المزيد من المكاسب على الجبهة.

أما القناة الثانية التي ستؤثر من خلالها الحرب في إيران على أوكرانيا وروسيا فهي أسواق الطاقة العالمية. فلا يزال اقتصاد الحرب الروسي يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز. وتشير التقديرات إلى أن ميزانية روسيا لعام 2026 تفترض متوسط سعر نفط الأورال بنحو 59 دولارًا للبرميل لتحقيق التوازن المالي. وفي أواخر عام 2025، كانت أسعار خام الأورال غالبًا أقل بكثير من هذا المستوى. لكن منذ الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران والهجمات التي شنتها طهران على أهداف خليجية، ارتفعت أسعار مزيج الأورال إلى أكثر من 70 دولارًا للبرميل، أي أعلى بكثير من السعر المفترض في ميزانية موسكو، وهو ما يعني فوائض مالية كبيرة ستدعم المجهود الحربي. كما تجني روسيا الآن مليارات الدولارات من إعفاء أمريكي مؤقت من العقوبات النفطية المفروضة عليها. ويهدف هذا الإجراء، الذي اتُخذ مطلع هذا الشهر، إلى تحرير شحنات النفط الروسية العالقة في البحر وتخفيف نقص الإمدادات الناجم عن الحرب. وهي خطوة وصفها الرئيس الأوكراني بأنها «ليست القرار الصائب» لأنها ستُعزز الحملة العسكرية الروسية.

كما تستفيد موسكو أيضًا من موقعها الدبلوماسي. وقد يكون استهلاك إدارة ترامب للجهود الدبلوماسية والسياسية في تنفيذ الحرب على إيران أكثر أهمية من المخاوف المادية. وربما ترى روسيا فرصة لمواصلة تأجيل محادثات السلام أو حتى تعليقها طالما استمرت الحرب في إيران. وإدراكًا منهم لهذه الديناميكيات، يضغط القادة الأوروبيون علنًا نحو ضرورة عدم طغيان حرب إيران على التزامهم تجاه أوكرانيا. والحاصل النهائي لهذا المأزق الذي وضعها فيه ترامب، هو أن أوروبا لا تستطيع تمويل أوكرانيا بالكامل بينما تستوعب في الوقت نفسه صدمة الطاقة، وتدير السخط الداخلي، وتقرر الدور الذي ستلعبه -إن وجد- في مسرح الشرق الأوسط.

أوروبا المُكرهة

أدت الحرب مع إيران إلى تسريع وتعميق التوترات الهيكلية في العلاقات عبر الأطلسي، وهي توترات كانت تتراكم طوال فترة ولاية ترامب الثانية، حيث لم يعد السؤال هو ما إذا كان التحالف قد تغير، بل إلى أي مدى تغير بشكل جذري ودائم. وتصاعدت التوترات عندما هدد ترامب بفرض حظر تجاري شامل على إسبانيا بعد رفض مدريد السماح للقوات الأمريكية بشن غارات من قواعدها. والغريب أن المستشار الألماني، كان يجلس بجانب ترامب في المكتب البيضاوي، عندما أطلق الأخير تهديداته تجاه إسبانيا، لكنه رفض الدفاع عن مدريد، حتى عندما أثار صحفي ألماني القضية بشكل مباشر. وقد جسّد هذا الموقف المعضلة التي تواجه أوروبا، فالعديد من الحكومات لديها تحفظات عميقة بشأن الحملة الأمريكية الإسرائيلية المتنامية ضد إيران، ومع ذلك، لا يملك سوى القليل منها القدرة على تحدي واشنطن علنًا.

في جميع أنحاء أوروبا، بات هناك انطباع واضح حول سعي الحكومات إلى استرضاء ترامب للحفاظ على العلاقات الاقتصادية والأمنية. ولا يستطيع المستشار الألماني أو رئيس الوزراء البريطاني المخاطرة بنشوب نزاع تجاري مع واشنطن، كما لا تستطيع برلين استبدال الضمانات الأمنية الأمريكية بالإنفاق الممول بالعجز وحده، على الأقل في الوقت الراهن. ويخلق هذا الاعتماد الهيكلي معضلة استراتيجية، إذ يتعين على أوروبا إدارة تبعات صراع لم تختره -بدءًا من تدفقات الهجرة وصولًا إلى تكاليف الطاقة- مع التعامل في الوقت نفسه مع تبعاته على علاقتها مع الولايات المتحدة. وتتمثل الأولوية القصوى لأوروبا في الحفاظ على دعم واشنطن لأوكرانيا. وإذا استمرت في رفض دعم الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا فإن خطر تعرضها للضغط والإكراه الأمريكي سيزداد. لذلك فإن ابتعاد أوروبا عن الانخراط في الحرب يبدو معقدًا لأنه موزع بين دوافع متناقضة، ومن المرجح أن يزداد تعقيدًا مع امتداد الصراع.